عماد الدين خليل

65

دراسة في السيرة

كان اختيار الحبشة دارا لهجرة المسلمين خطوة موفقة من خطوات الرسول المدروسة . فهناك ، إضافة إلى الصفة التي وصف ملكها بها في الحديث المروي عن النبي ، تيسّر السفر إليها بالسفن ، ومساعدة الرياح الموسمية لهذا السفر البحري في ظروفه ، فضلا عن العلاقات المذهبية الطيبة بين الإسلام والنصرانية . . بل إنه ليخطر بالبال أن من أسباب اختيار الحبشة أمل وجود مجال للدعوة فيها وأن يكون هدف انتداب جعفر متصلا بهذا الأمل . ولعل ما روي عن إسلام النجاشي وغيره من الأحباش ووفادة بعضهم على النبي مسلمين مستطلعين ما يستأنس به على صحة هذا الخاطر ، إذ يرى أثر نجاح لهذه الدعوة في هاتيك الديار . ولعل حادثة انتصار الأحباش لنصارى اليمن التي كانت حاضرة في أذهان العرب كانت ذات تأثير أيضا في توجيه الهجرة إلى هذه البلاد ، فالمسلمون بهذا يكسبون حليفا قويا تجمع بينهم وبينه الرابطة الدينية ، والمشركون يقع في نفوسهم شيء من الخوف والتوجس والجنوح إلى الارعواء بسبب توثق الصلة بين المسلمين وهذا الحليف القوي « 1 » ، هذا إلى أن اختيار منطقة كاليمن أو يثرب سوف يعرض المهاجرين لبطش العناصر الوثنية واليهودية المنتشرة هناك . ويضطرب ( وات ) في تحليل أسباب الهجرة إلى الحبشة وبقاء المسلمين هناك ردحا طويلا ، بين خمسة أسباب أولها الهروب من الاضطهاد وثانيها البعد عن خطر الارتداد وثالثها ممارسة النشاط التجاري ورابعها السعي للحصول على مساعدة حربية من الأحباش . ثم يشكك في جدوى الاعتماد على هذه الأسباب ويقول : « من الصعب مقاومة الفكرة القائلة بوجوب الاطمئنان إلى السبب الخامس وهو أنه نشأ انقسام قوي في الرأي داخل أمة الإسلام الناشئة » « 2 » . وفي مكان سابق كان وات قد قال « ويبدو أن إقامة خالد بن سعيد الطويلة في الحبشة تشير إلى أنه

--> عنه ) عزم هو الآخر على الهجرة إلى الحبشة بسبب أذى المشركين واضطهادهم له . ولقد غادر مكة فعلا إلا أن سيد قبائل القارة الحارث بن يزيد الملقب بابن الدغينة اعترضه في الطريق وأقنعه بالرجوع وأعلن للمشركين عن جواره له . لكن أبا بكر استمر - وهو في مكة - يؤدي شعائر الإسلام ويدعو إليه ، الأمر الذي دفع ابن الدغينة إلى إنهاء جواره له ، فما كان من أبي بكر إلا أن قال : أرجع إليك جوارك وأرضى بجوار اللّه ! ! . ( أنساب : 1 / 205 - 206 ، وانظر الرواية في البخاري : تجريد 2 / 71 - 72 ، درمنغم : حياة محمد ص 12 - 124 . . . ( 1 ) دروزة : سيرة الرسول 1 / 272 - 273 . وانظر بوهل في Ency . art : Muhammad . ( 2 ) انظر بالتفصيل وات : محمد في مكة ص 182 - 189 .